أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

333

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

يجوز أن يكون بيانا ل « ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ » ويكون للّه تعالى في سمائه خلق يدبون كما يدبّ الخلق الذي في الأرض ، ويجوز أن يكون بيانا لما في الأرض فقط . قال الزمخشري : « فإن قلت : هلّا جيء ب « من » دون « ما » تغليبا للعقلاء على غيرهم ؟ قلت : لأنه لو جيء ب « من » لم يكن فيه دليل على التغليب ، فكان متناولا للعقلاء خاصة ، فجيء بما هو صالح للعقلاء وغيرهم ، إرادة العموم . قال الشيخ « 1 » : وظاهر السؤال تسليم أن « من » قد تشمل العقلاء وغيرهم ، على جهة التبليغ ، وظاهر الجواب تخصيص « من » بالعقلاء ، وأن الصالح للعقلاء ما دون « من » ، وهذا ليس بجواب ، لأنه أورد السؤال على التسليم ، ثم أورد الجواب على غير التسليم ، فصار المعنى أن « من » يغلب بها ، والجواب لا يغلب بها ، وهذا في الحقيقة ليس بجواب » . قوله وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ يجوز أن تكون الجملة استئنافا ، أخبر عنهم بذلك ، وأن تكون حالا من فاعل « يَسْجُدُ » . قوله : يَخافُونَ . يجوز فيها أن تكون مفسرة لعدم استكبارهم ، كأنه قيل : ما لهم يستكبرون ؟ فأجيب بذلك ، ويحتمل أن تكون حالا من فاعل « لا يَسْتَكْبِرُونَ » . ومعنى : « يَخافُونَ رَبَّهُمْ » أي : عقابه . قوله : مِنْ فَوْقِهِمْ يجوز فيها وجهان : أحدهما : أن يتعلق ب « يَخافُونَ » ، أي : يخافون عذاب ربهم ، كائنا من فوقهم ، لأنّ العذاب إنما ينزل من فوق . الثاني : أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من « رَبَّهُمْ » ، أي : يخافون ربهم عاليا عليهم ، قاهرا لهم ، كقوله تعالى : وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ « 2 » . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 51 إلى 53 ] وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( 51 ) وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ ( 52 ) وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ ( 53 ) قوله : اثْنَيْنِ . فيه قولان : أحدهما : أنه مؤكد ك « إِلهَيْنِ » ، وعليه أكثر الناس ، و « اتّخذ » على هذا يحتمل أن تكون متعدية لاثنين ، والثاني منهما محذوف ، أي : لا تتخذوا إلهين اثنين معبودا . والثاني : أنّ « اثْنَيْنِ » مفعول أول ، وإنما أخر ، والأصل : لا تتخذوا اثنين إلهين . وفيه بعد . وقال أبو البقاء : « هو مفعول ثان » . وهذا كالغلط ، إذ لا معنى لذلك البتة . وكلام الزمخشري هنا يفهم أنه ليس بتأكيد ، فإنه قال :

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 499 ) . ( 2 ) سورة الأنعام آية ، ( 18 ) .